19
تشرين2 , الأحد

«الانتظار»، للصقلّي بييرو ميسّينا، بحث في الأعماق عبر موشور الغموض الناتج عن ظلال المافيا

سينما
Typography

فينيسا- عرفان رشيد-     ضربات مطرقة علي رؤوس مسامير غير مرئية تؤذن بانطفاء الضياء عن غرف وصالات الفيلا الفخمة والقديمة ولتُنزل الظلمة على المكان مختطلة بسواد ثوب الحداد الذي ترتديه السيّدة «أنّا»، التي تؤدّيها النجمة الفرنسية جولييت بينوش «آنا» أربعينية ذابلة، لكن دون أن تفقد ملامح جمال باهر، عاف السحنة التي تلبّست الحداد.

إنها فرنسية  تركت بلادها وتبعت قلبها إلى صقليّة، لينكسر ذلك القلب مرتين، الاولى بغياب الحبيب، في ظروف لا يفصح الفيلم عنها، والثانية لغياب الابن المراهق، الذي سنفهم مبكّراً بأن «آنّا» عادت للتو من جنازته إثر وفاته في حادث مروري، غامض هو الآخر، وبما أن الاحداث تدور في صقليّة، فإن الغموض يُمسي أكثر سواداً وتحوم حوله غربان الجريمة المنظّمة، أي مافيا «كوزا نوسترا». ذلك ما توحي إليه البداية، خاصة عبر الصمت المطبق والكلمات النادرة المنطوقة التي تُصبح بكماء إزاء المؤثرات الصوتية الطبيعية المتعدّدة، ونظرات مُدبّر المنزل «بييترو» الذي لن نعرف صلة القربي التي تربطه بالعائلة، لكنه سيكون الشخص الذي يدفع الاحداث صوب إماطة السر. وخطوات «بييترو» تُنظّم إيقاع المنزل الخالي من أية نأمة.

وإذاً، ثمة سرٌ آخر غير غموض موت الزوج والإبن؟!

ولمجرّد ما تنطرح هذه الأسئلة في ذهن المشاهد، ويشعر بأنه دخل أجواء الافلام الصقليّة التي تسبح في فضاء الحدث المافيوي، تنتقل الكاميرا إلى خارج المنزل الكبير، لنجد انفسنا في فضاء يُشبه مشهداً قمرياً تلوّن بالتماعة أسود الصخور البركانية بنتوءاتها العنيفة، وثمة عربة فارهة، سوداء هي الأخرى تسير في الطريق المتمايل المحفور في قمة الجبل البركاني.

لا شيء غير السواد، الذي ينكسر حين تضيق الكاميرا لترينا ذهب شعر شابة جميلة تنظر حواليها بدهشة لا تخلو من الانبهار والقلق، دون ان تتبادل كلمة مع السائق، الذي هو نفسه مدبّر المنزل الغامض. ابتداءً من هذه اللحظة يضع المخرج جانباً الغموض المافيوي،

وينتقل من أجواء داميانو دامياني، إلى أجواء بيرانديلّو، أي إلى الأعماق البشرية الأكثر غموضاً من أي سر.  وكما هو طبيعي في أن الابناء لا ينبغي ان يموتوا قبل الابوين، فإن غياب جوزيبي بالنسبة لآنا، ليس موتاً بل هو غياب مؤقّت سيعود منه في عيد الفصح، لذا فإن القادمة الشابّة، «جين»، حبيبة جوزيبي ستحمل «المعادل الموضوعي» لذلك الغياب، وكما قام المسيح في الفصح، يعود جوزيبي الى الحياة عبر الفتاة جين. 

e-max.it: your social media marketing partner